محمد طاهر الكردي
277
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
الضواري ، أو يصيدها ، فيتّخذ من لحومها طعاما ، ومن جلودها لباسا ثم لم يلبث أن وجد قضاء حاجاته في المقايضة ، فاجتاز مرحلة الحيازة غصبا إلى مرحلة المقايضة طوعا . وكانت الحاجات المتبادلة هي اللحوم والجلود والعظام . واللحوم سريعة العطب ، فلم تصلح للتبادل ، وبقيت الجلود والعظام . ولا تزال بعض قبائل الهنود في أمريكا ، والزنوج في أفريقية ، تتعامل بعظام الحيوان . ثم عرف الإنسان الزراعة ، واستأنس الماشية ، وعثر على النحاس ، فاستخدمه في تقوية عدده الخشبية والحجرية ، وصنع منه آلات لأغراض مختلفة . وفي ذلك الوقت أدرك الإنسان معنى الرزق والثروة ، وتعامل بأنفس ما يملكه من عدد القتال ، وأدوات الفلاحة ، والغلّات الزراعية ، والماشية . وقد كان للثور شأن عظيم ، في تاريخ المقايضة ، فقد كان له من القيمة ما للذهب الآن ، ولذلك رسمه قدماء المصريين على آثارهم جاثما في كفة ميزان ، وفي الكفة الأخرى حلقات المعادن المعروفة لعهدهم . وكذلك كان قدماء الإغريق ، شأنهم في ذلك الوقت البعيد شأن قبائل خط الاستواء اليوم ، إذ يقدّرون الرقيق والأسلحة والبارود بالثيران . والحقيقة أن العرف والعادة ، في كل شعب ، كانا يقضيان دائما بالتماس مادة نافعة أو ضرورية من المواد الموفورة لديه ، يتبادل بها أفراده فيما بينهم تبادل النقود ، ويرضونها ، تسهيلا لمعاملاتهم ، أو تحقيقا لمنفعة . ثم أدرك الإنسان أن تلك السلع ، مرهقة في التبادل بها ، فالماشية تحتاج إلى إطعام ، وإيواء ورعاية ، وقد تنفق أو تمرض . والغلات قد يلحقها الفساد ، إذا تقادم عليها العهد ، وقد تلتهمها النيران أو الفيران ، أو تكسد سوقها ، فلا بد إذن من الاعتماد على سلعة ، تجمع بين النفاسة والسلامة ويسر الاستعمال . فاتّخذ من المعادن وسيطا في التبادل ، وتدرج فيها وفي قيمها وأشكالها وحجومها وأوزانها ووجوه استخدامها على صور متعدّدة شتى . ثم جاء دور إشراف الحكومات على العملة المعدنية ، كي يأمن المتعاملون الغش والتزييف ، ولا سيما إذا كانت من معدن نفيس كالذهب والفضة ، وسنّت الدول القديمة كمصر والإغريق القوانين ، تنص على عقوبات صارمة لمن يغش أو يخدع .